البحث عن عازار.. وترشح أول كاتب إيزيدي للبوكر

بعد 40 عامًا: البحث عن عازار يكلل بالنجاح

البحث عن عازار.. وترشح أول كاتب إيزيدي للبوكر

سامر عاطف


تروي روايةُ "البحث عن عازار" للكاتب نزار آغري قصةِ صداقةٍ بينَ شخص إيزيديٍّ وآخر يهوديٍّ، تتجاوزُ اختلافاتٍ دينيةً وطائفيةً بينهما، جمعتْهما صداقةٌ قربَ الحدودِ التركيةِ والمتاخمةِ لجبلِ"طوروس" في مدينةِ القامشلي شمالِ وشرقِ سوريا، التي كانت تزدحمُ بالأعراقِ والدياناتِ والجنسياتِ المختلفةِ، وتتجاورُ الثقافاتِ وتمتزجُ الطقوسُ والأعيادُ فيها بالأساطيرِ.

 

 تتّسمُ الروايةُ بلغةٍ ناعمةٍ ونبرةٍ هادئةٍ، معتمدة على الوصفِ الرائقِ لأماكنِ الأحداثِ، سواءً في سوريا أو بيروتَ أو النرويجَ، إذ استخدمَ الكاتبُ لغةً بسيطةً ورقيقةً دالةً ومشحونةً بعاطفيةٍ ورؤيةٍ إنسانيةٍ راقيةٍ وجميلةٍ، والروايةُ لافتةٌ متوازنةٌ، تجرفُ مَنْ يقرؤُها برونقِها، بجراحاتِها الناطقةِ بحنينٍ إلى زمنٍ مضى لنْ يعودَ، لتنتج أسلوباً وشكلاً فنياً متناغماً سواءً في اقص أو اللغةَ، ليصلَ إلى عقلِ القارئِ بسهولةٍ ويلامسَ وجدانَهُ برقةٍ.

 

 

سبب ترشح الرواية لجائزة البوكر

 

يقولُ الباحثُ بقسمِ اللغةِ العربيةِ في كليةِ الأدبِ خميس محمود: تكمنُ أهميّةُ الروايةِ وقيمتُها الفنيّةِ التي أهّلتْها لتكونَ منْ بينِ الرواياتِ المرشّحةِ لجائزةِ البوكرِ العربيةِ، في رصدِها التنوعَ الدينيَّ والطائفيَّ والقومي والعرقي، الذي تتميزُ بهِ المدنُ السوريةُ خاصةً مدينةُ القامشلي، بالإضافةِ إلى اللغةِ البسيطةِ التي استخدمَها الكاتبُ في الروايةِ، التي تعكسُ رحلةَ حياةٍ وتنوعَ ثقافاتٍ، بالإضافةِ إلى كونِها تستمدُّ تفاصيلَها منَ الحياةِ الواقعيةِ.

 

 صداقة عابرة للأديان

 

يتابع خميس محمود بأن الروايةَ تحكي قصّةِ صداقةٍ حميميّةٍ جمعتْ شابينِ سوريينِ في سنِّ المراهقةِ وهما الكرديُّ

الأيزيديُّ"عيد كوري" واليهوديُّ"عازار ناحوم عزرا". كانَ لقاؤُهما الأوّلُ في إحدى المدارسِ الإعداديّةِ في مدينةِ القامشلي السوريّةِ، حيث تطورت الصداقةُ وتعمقتْ لتصلَ لأسرتَيهما.

ولقدْ قسّمَ الكاتبُ الروايةَ إلى ثلاثةِ أجزاءٍ جاءتْ في 444 صفحةٍ، كلُّ جزءٍ منها يعبرُ عنْ مرحلةٍ منْ مراحلِ تلكَ الصداقةِ العابرةِ للأديانِ والطوائفِ.

في الجزءِ الأول، يبدأُ يرجع الكاتب للماضي، سارداً كيفَ تعرّفَ عيدُ على عازارَ وهما في عمرِ الـ 14 عاماً، وكيفَ تعمقت بينهما الصداقةِ والمودّةِ في المدرسةِ، وأصبحَ فيها عيدُ فرداً منْ أفرادِ أسرةِ صاحبهِ، فعازارُ وأسرتهُ يقيمونَ في القامشلي، في حينَ أنَّ عيدَ طالبٌ مغتربٌ منْ إحدى قرى مدينةِ عامودا، يدرسُ في مدارسِ القامشلي، ويقدّمُ نزارُ آغري وصفًا مكانيّاً مميزاً للمدينةِ السوريةِ القامشلي، التي تقعُ في شمالِ شرقِ سوريا على الحدودِ معَ تركيا، تتبعُ إداريّاً محافظةَ الحسكةِ، حيثُ يطوفُ الصديقانِ كلَّ أحياءِ المدينةِ، ويصفُ ما كانَ عليهِ في النصفِ الثاني منَ القرنِ العشرين.

 

البحث عن عازار

 

في الجزءِ الثاني، وهوَ الجزءُ الذي أخذَ المساحةَ الكُبرى منَ الروايةِ، حيثُ لخّصَ الكاتبُ أربعينَ عاماً منْ رحلةِ البحثِ عن عازارَ، مُتحدثاً عنْ آلامِ الفراقِ، حيثُ تفاجأَ بعدَ عودتهِ منْ قريتهِ التابعةِ للقامشلي برحيلِ عازارَ وعائلتهِ منَ المدينةِ بشكلٍ مفاجئٍ، الأمرُ الذي أدخلهُ في حالةٍ نفسيّةٍ سيّئةٍ، حيثُ تمرُّ السنونَ ويدرسُ عيدُ اللغةَ الإنكليزيّةَ في الجامعةِ، ثمَّ يتخرجُ وينخرطُ في العملِ معَ تياراتٍ سياسيّةٍ، ما عرّضهُ لمضايقاتٍ وملاحقاتٍ أمنيّةٍ، ليقررَ على إثرها الهروبَ منْ سوريا إلى لبنانَ، ويصلَ في نهايةِ المطافِ إلى النرويجِ حيثُ يستقرُّ ويعملُ فيها كمترجمٍ، وطوالَ الفترةِ السابقةِ، كانَ عيدُ يكتبُ رسائلَ شوقٍ لعازارَ، الذي لا يعرفُ لهُ مكاناً، رسائلَ كانَ يحتفظُ بها لنفسهِ عسى أنْ يجودَ الزمانُ بلقاءِ عازارَ فيقرؤُها لهُ.

الجزءُ الثالثُ وهوَ قصيرٌ نسبيّاً، يمثّلُ النهايةَ السعيدةَ لقصّةِ البحثِ تلكَ، فبعدَ أربعينَ سنةٍ يلتقي الصديقانِ عبرَ تمكّنِ ابنة عيد منَ التواصلِ معَ ابنة عازارَ عبرَ إحدى وسائلِ التواصلِ الاجتماعي.

 

اقتباسات من رواية البحث عن عازار

 

"ها نحنُ يا عازارَ نلتقي بعدَ أربعينَ سنةً منَ الفراقِ، تغيّرتِ الدّنيا حولَنا، تغيّرَالناسُ، تغيّرتْ حكوماتٌ ودولٌ وبلدانٌ، تغيّرتِ القامشلي.. أنتَ الفتَى اليهوديُّ الهادئُ الجميلُ، وأنا صديقكَ الأيزيديُّ الذي ما زالَ يحبّكَ مثلَما أحبّكَ في اللحظةِ الأولى منْ لقائِنا".

 

 

‫"الحياةُ معَ صديقٍ تحبّهُ ويحبّكَ، أشبهُ بحياةِ المؤمنِ الذي يغمرهُ اليقينُ بأنَّ اللهَ يسيرُ معهُ ويسهرُ عليهِ. لمْ يسبقْ أنْ شعرتُ بمثلِ هذا الأمانِ والرّضا."

‫ إنّها تجربةٌ فريدةٌ تلكَ التي تجعلكَ تشعرُ بأنّ حياتكَ التي كنتَ تعتبرُها عقيمةً وفارغةً منَ المعنى، باتتْ غنيةً

وساطعةً وزاخرةً بكلِّ شيءٍ.

 

 

رسائل من الكاتب.

 أرادَ الكاتبُ إرسالَ رسالتَينِ هامّتَينِ منْ بينِ سطورِ هذهِ الروايةِ.

الرسالة الأولى: تبيانِ أهمّيّةِ دورِ جيلِ الشبابِ في صناعةِ المستقبلِ وترميمِ تصدّعاتِ الماضي، التي فرّقتِ الشعوبَ ومزّقتِ الدولَ بينَ بعضِهما، فمنْ كانَ لهُ الفضلُ في لقاءِ الصديقَينِ بعدَ غيابِ أربعةِ عقودٍ هيَ الشابّةُ ابنةُ عيدَ، التي قطعتْ وعداً على نفسِها لأبيها بأنْ تواصلَ البحثَ عنْ صديقِ والدِها عازارَ، وأنْ تبذلَ قُصارى جهدِها لإيجادهِ.

الرسالة الثانية: تسليطِ الضوءِ على أهمّيّةِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ ودورِها في تقاربِ الشعوبِ وتلاقحِ الثقافاتِ، فمنْ خلالِ إحدى تلكَ الوسائلِ استطاعَ بطلُ الروايةِ أنْ يلتقيَ بصديقهِ بعدَ رحلةَ بحثٍ طويلةٍ.

 

نبذة عن الباحث خميس محمود علي.

باحثُ ماجستير بكليةِ الأدبِ جامعةَ الاسكندريةِ، قسمَ اللغةِ العربيةِ،

عنوانُ الرسالةِ" كيفَ أثّرتِ التكنولوجيا على النقدِ الأدبيِّ في العصرِ الحديثِ".